أحمد الشرباصي
144
موسوعة اخلاق القرآن
سبحانه ، حتى ولو لم يكن مع هذا الترديد تدبر أو تذكر بالقلب ، وهذا خطأ فاحش ، فقد نقل القرطبي في تفسيره حديثا يقول : « من أطاع اللّه فقد ذكر اللّه ، وإن أقلّ صلاته وصومه وصنيعه للخير . ومن عصى اللّه فقد نسي اللّه وإن كثّر صلاته وصومه وصنيعه للخير » . ويقول سعيد بن جبير : « الذكر طاعة اللّه ، فمن لم يطعه لم يذكره ، وإن أكثر التسبيح والتهليل وقراءة القرآن » . وليس بمعقول أن يكون مجرد ترديد اللسان لكلمات الذكر ، دون وعي أو تنبه أو تأثر ، هو المطلوب شرعا أو عقلا من ذكر اللّه عز وجل ، وكيف واللّه جل جلاله يقول في سورة البقرة : « فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ، وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ » . وذكر اللّه لعبده هو تشريف للعبد أي تشريف ، لأن اللّه سيذكره بالرضى والقبول ، والتوفيق والتأييد ، ولا يتصور عاقل أن يكون ثمن هذا هو تحريك اللسان بكلمات والقلب غافل في سكرات . والآية الكريمة السابقة تذكرنا بما روي عن ثابت البناني حيث قال لمن حوله : إني أعلم متى يذكرني ربي عز وجل ، فعجبوا منه وقالوا له : كيف تعلم ذلك ؟ . فقال : إذا ذكرته ذكرني ، لأنه يقول : « فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ » . وقد نسبوا مثل هذا إلى أبي عثمان النهدي أيضا . والقرآن الحكيم يؤكد الدعوة إلى ذكر اللّه . ففي سورة البقرة : « فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ ، وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ » . وفيها : « وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ » وهي أيام التشريق في عيد الأضحى . وفي سورة آل عمران : « وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ » . وفي سورة الكهف : « وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً » . ويعلمنا كتاب اللّه المجيد أن ذكر اللّه يكون على كل حال : فيقول في سورة آل عمران : « الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ » . ويقول في الأعراف : « وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ، وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ » . وهذا التركيز القرآني الواضح على ذكر اللّه